اسماعيل بن محمد القونوي
299
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
رعبهم إذ الأنامل جزء مخصوص من الأصابع والمعتاد إدخالها دون الأصابع بتمامها فعبر عنها بالأصابع إيذانا بأنهم يبالغون في إدخال أناملهم لشدة الرعد فكأنهم يدخلون جميعها مبالغة في السد ثم إن لم يحمل على انقسام الآحاد بحمل إضافة الجمع على الاستغراق فيفيد كمال المبالغة للإشعار بأن كل فرد منهم يجعل أصابعه العشرة في أذنيه وهذا وإن كان محالا لكن المراد التصوير والتمثيل وهذه مبالغة لا فوقها مبالغة لكن الظاهر أنه من قبيل انقسام الآحاد إلى الآحاد مثل ركب القوم دوابهم وقيل في قوله : يَجْعَلُونَ مبالغة في فرط حيرتهم من وجوه أحدها نسبة الجعل إلى كل الأصابع وهو منسوب إلى البعض منها وهو الأنامل وثانيها من حيث الإبهام في الأصابع والمعهود أصبع مخصوص وهو السبابة فكأنهم في فرط دهشتهم يدخلون أي أصبع كانت في آذانهم ولا يسلكون المسلك المعهود وثالثها وضع ذلك الجعل موضع الادخال فإن جعل شيء في شيء أدل على إحاطة الثاني بالأول من ادخاله فيه وهذه دقائق لم يتنبهوا لها انتهى والوجه الأول مستفاد من بيان المص والثاني مذكور في الكشاف مع توضيح فيه « 1 » وأما الثالث فغير متعارف فلا بد من بيانه من الثقات قال المص في أوائل سورة الأنعام والجعل فيه معنى التضمين وهذا أيضا ليس بمناسب هنا بل الجعل هنا بمعنى صير وهو يفيد الانتقال من حال إلى حال في بعض المواضع ولتغير حالهم اختير الجعل واختير المضارع إما للاستمرار أو لحكاية الحال الماضية استحضارا لتلك الحالة الشديدة الشنيعة ثم هنا احتمالات ثلاثة مجاز لغوي ذكر الكل وإرادة الجزء كما في كتب المعاني أو مجاز عقلي بإسناد ما للبعض إلى الكل ومجاز في الحذف أي يجعلون أنامل أصابعهم وخير الأمور أوساطها إذ المبالغة إنما يتأتى إذا كانت الأصابع باقية على حقيقتها وقد صرحوا بأن المجاز العقلي أبلغ من المجاز اللغوي وإن كانت المبالغة متحققة في المجاز اللغوي المرسل باعتبار أن تبادر الذهن إلى المعنى الحقيقي قبل النظر إلى القرينة وعن هنا قال أهل البيان المجاز أبلغ من الحقيقة وهنا يتبادر الذهن إلى الأصابع وارد لكن الجواب ليس بصحيح لما ذكره شيخي رحمه اللّه ولعل الصواب فيه أن يقال جاء على ما هو المتعارف في مثله من العبارة لا على ما يقع منه فإن وقوع سد الأذن في العرف وإن كان بالسبابة لكن التعبير عنه إنما هو بلفظ الأصبع ألا يرى إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لبلال اجعل إصبعيك في أذنيك وكان يجعل المسبحة لا غير وقوله فهلا ذكره بعض هذه الكنايات قال صاحب الانتصاف ما معناه أن من الكنايات المسبحة وكيف يمكن وصف أصابع المنافقين بالمسبحة ولم تسبح قط وأيضا الغرض إيصال المعاني إلى الأذهان وتصويرها بصورة المحسوسات وهو خليق بذكر الصرائح دون الكنايات .
--> ( 1 ) حيث قال فإن قلت فالأصبع التي تسد بها الأذن أصبع خاصة فلم ذكر اسم العام دون الخاص قلت لأن السبابة فعالة من السب فكان اجتنابها أولى بأنه دأب القرآن ألا ترى أنهم قد استبشعوها فكنوا عنها بالمسجة والسباحة والمهللة والدعاءة فإن قلت فهلا ذكر بعض هذه الكنايات قلت هي ألفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس في ذلك العهد وإنما أحدثوها بعد النهي ولم يلتفت إليه المص إما لأن المراد هنا المجموع لا البعض للمبالغة أو لصحة ذكر بعض هذه الكنايات وكونها مستحدثة غير مسلمة أو غير مضر .